فصل: تَنْبِيهٌ: تَرْتِيبُ وَضْعِ السُّوَرِ فِي الْمُصْحَفِ:

الموسـوعـة القــرآنية
تفسير القـرآن الكريــم
جامع الحديث الشريف
خـــزانــــــــة الكـــتــب
كـــتــــب مــخـــتــــارة
الـكـتـاب الــمسـمــــوع
الفـهــرس الشــــــامـل
الــــرســـائل العـلــمية
الـــــدروس والخــطـب
أرشـــيف الـفتــــــــوى
رمـــضـــــانـــيـــــــات
روائــــــــع مختـــــارة
مجلـة نـــداء الإيمــان
هدايا الموقع
روابط مهمة
خدمات الموقع
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البرهان في علوم القرآن (نسخة منقحة)



.تَنْبِيهٌ: تَرْتِيبُ وَضْعِ السُّوَرِ فِي الْمُصْحَفِ:

لِتَرْتِيبِ وَضْعِ السُّوَرِ فِي الْمُصْحَفِ أَسْبَابٌ تُطْلِعُ عَلَى أَنَّهُ تَوْقِيفِيٌّ صَادِرٌ عَنْ حَكِيمٍ أَحَدُهَا بِحَسَبِ الْحُرُوفِ كَمَا فِي الْحَوَامِيمِ وَثَانِيهَا لِمُوَافَقَةِ أَوَّلِ السُّورَةِ لِآخِرِ مَا قَبْلَهَا كَآخِرِ الْحَمْدِ فِي الْمَعْنَى وَأَوَّلِ الْبَقَرَةِ وَثَالِثُهَا لِلْوَزْنِ فِي اللَّفْظِ كَآخِرِ تَبَّتْ وَأَوَّلِ الْإِخْلَاصِ وَرَابِعُهَا لِمُشَابَهَةِ جُمْلَةِ السُّورَةِ لِجُمَلِهِ الْأُخْرَى مِثْلَ: {وَالضُّحَى} وَ: {أَلَمْ نَشْرَحْ}.
قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: وَسُورَةُ الْفَاتِحَةِ تَضَمَّنَتِ الْإِقْرَارَ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالِالْتِجَاءَ إِلَيْهِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ وَالصِّيَانَةَ عَنْ دِينِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ.
وسورة البقرة تضمنت قواعد الدين وآل عِمْرَانَ مُكَمِّلَةٌ لِمَقْصُودِهَا فَالْبَقَرَةُ بِمَنْزِلَةِ إِقَامَةِ الدَّلِيلِ على الحكم وآل عِمْرَانَ بِمَنْزِلَةِ الْجَوَابِ عَنْ شُبُهَاتِ الْخُصُومِ وَلِهَذَا قُرِنَ فِيهَا ذِكْرُ الْمُتَشَابِهِ مِنْهَا بِظُهُورِ الْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ فَإِنَّهُ نَزَلَ أَوَّلُهَا فِي آخِرِ الْأَمْرِ لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ النَّصَارَى وَآخِرُهَا يَتَعَلَّقُ بِيَوْمِ أُحُدٍ وَالنَّصَارَى تَمَسَّكُوا بِالْمُتَشَابِهِ فَأُجِيبُوا عَنْ شُبَهِهِمْ بِالْبَيَانِ وَيَوْمَ أُحُدٍ تَمَسَّكَ الْكُفَّارُ بِالْقِتَالِ فَقُوبِلُوا بِالْبَيَانِ وَبِهِ يُعْلَمُ الْجَوَابُ لِمَنْ تَتَبَّعَ الْمُتَشَابِهَ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَأَوْجَبَ الْحَجَّ فِي آلِ عِمْرَانَ وَأَمَّا فِي الْبَقَرَةِ فَذَكَرَ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ وَأَمَرَ بِتَمَامِهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ وَلِهَذَا ذَكَرَ الْبَيْتَ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةَ وَكَانَ خِطَابُ النَّصَارَى فِي آلِ عِمْرَانَ أَكْثَرَ كَمَا أَنَّ خِطَابَ الْيَهُودِ فِي الْبَقَرَةِ أَكْثَرُ لِأَنَّ التَّوْرَاةَ أَصْلٌ وَالْإِنْجِيلَ فَرْعٌ لَهَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ دَعَا الْيَهُودَ وَجَاهَدَهُمْ وَكَانَ جِهَادُهُ لِلنَّصَارَى فِي آخِرِ الْأَمْرِ كَمَا كَانَ دُعَاؤُهُ لِأَهْلِ الشِّرْكِ قَبْلَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلِهَذَا كَانَتِ السُّوَرُ الْمَكِّيَّةُ فِيهَا الدِّينُ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ فَخُوطِبَ بِهَا جَمِيعُ النَّاسِ وَالسُّوَرُ الْمَدَنِيَّةُ فِيهَا خِطَابُ مَنْ أَقَرَّ بالأنبياء من أهل الكتاب والمؤمنين فَخُوطِبُوا يَا أَهْلَ الْكِتَابِ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَأَمَّا سُورَةُ النِّسَاءِ فَتَتَضَمَّنُ جَمِيعَ أَحْكَامِ الْأَسْبَابِ التي بين الناس وهي نوعان محلوقة لِلَّهِ تَعَالَى وَمَقْدُورَةٌ لَهُمْ كَالنَّسَبِ وَالصِّهْرِ وَلِهَذَا افْتَتَحَهَا اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نفس واحدة وخلق منها زوجها} ثُمَّ قَالَ: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} وَبَيَّنَ الَّذِينَ يَتَعَاهَدُونَ وَيَتَعَاقَدُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَمَا تَعَلَّقَ بِذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الْأَمْوَالِ وَالْفُرُوجِ والمواريث ومنها العهود الَّتِي حَصَلَتْ بِالرِّسَالَةِ وَالَّتِي أَخَذَهَا اللَّهُ عَلَى الرُّسُلِ.
وَأَمَّا الْمَائِدَةُ فَسُورَةُ الْعُقُودِ وَبِهِنَّ تَمَامُ الشَّرَائِعِ قَالُوا وَبِهَا تَمَّ الدِّينُ فَهِيَ سُورَةُ التَّكْمِيلِ بِهَا ذِكْرُ الْوَسَائِلِ.
كَمَا فِي الْأَنْعَامِ والأعراف ذِكْرُ الْمَقَاصِدِ كَالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ كَتَحْرِيمِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَعُقُوبَةِ الْمُعْتَدِينَ وَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ مِنْ تَمَامِ حِفْظِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ وَتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْمُنْخَنِقَةِ وَتَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ مِنْ تَمَامِ الْإِحْرَامِ وَإِحْلَالِ الطَّيِّبَاتِ مِنْ تَمَامِ عِبَادَةِ اللَّهِ وَلِهَذَا ذَكَرَ فِيهَا مَا يَخْتَصُّ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالْوُضُوءِ وَالْحُكْمِ بِالْقُرْآنِ فَقَالَ تَعَالَى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا}.
وَذَكَرَ أَنَّهُ مَنِ ارْتَدَّ عَوَّضَ اللَّهُ بِخَيْرٍ مِنْهُ وَلَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ كَامِلًا وَلِهَذَا قِيلَ إِنَّهَا آخِرُ الْقُرْآنِ نُزُولًا فَأَحِلُّوا حَلَالَهَا وَحَرِّمُوا حَرَامَهَا.
وَهَذَا التَّرْتِيبُ بَيْنَ هَذِهِ السُّوَرِ الأربع المدنيات: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة مِنْ أَحْسَنِ التَّرْتِيبِ وَهُوَ تَرْتِيبُ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ وَإِنْ كَانَ مُصْحَفُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قُدِّمَتْ فِيهِ سُورَةُ النِّسَاءِ عَلَى آلِ عِمْرَانَ وَتَرْتِيبُ بَعْضِهَا بَعْدَ بَعْضٍ لَيْسَ هُوَ أَمْرًا أَوْجَبَهُ اللَّهُ بَلْ أَمْرٌ رَاجِعٌ إِلَى اجْتِهَادِهِمْ وَاخْتِيَارِهِمْ وَلِهَذَا كَانَ لِكُلِّ مُصْحَفٍ تَرْتِيبٌ وَلَكِنَّ تَرْتِيبَ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ أَكْمَلُ وَإِنَّمَا لَمْ يُكْتَبْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصْحَفٌ لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى تَغْيِيرِهِ كُلَّ وَقْتٍ فَلِهَذَا تَأَخَّرَتْ كِتَابَتُهُ إِلَى أَنْ كَمُلَ نُزُولُ الْقُرْآنِ بِمَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ وَالصَّحَابَةُ بَعْدَهُ ثُمَّ نَسَخَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ الَّتِي بَعَثَ بِهَا إِلَى الْأَمْصَارِ.

.فَائِدَةٌ: سبب سقوط البسملة أول براءة:

اخْتُلِفَ فِي السَّبَبِ فِي سُقُوطِ الْبَسْمَلَةِ أَوَّلَ بَرَاءَةَ فَقِيلَ كَانَ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ وَأَرَادُوا نَقْضَهُ كَتَبُوا لَهُمْ كِتَابًا وَلَمْ يَكْتُبُوا فيه الْبَسْمَلَةَ فَلَمَّا نَزَلَتْ بَرَاءَةُ بِنَقْضِ الْعَهْدِ الَّذِي كَانَ لِلْكُفَّارِ قَرَأَهَا عَلَيْهِمْ عَلِيٌّ وَلَمْ يُبَسْمِلْ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ وَلَكِنْ فِي صَحِيحِ الْحَاكِمِ أَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَتِ الْأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَ وبراءة من آخره وكانت قصتها شبيها بِقِصَّتِهَا وَقَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا وَظَنَنَّا أَنَّهَا منها ثم فرقت بينهما ولم أكتب بَيْنَهُمَا الْبَسْمَلَةَ.
وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّ أَوَّلَهَا لَمَّا سَقَطَ سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ.
وَقَدْ قِيلَ إِنَّهَا كَانَتْ تَعْدِلُ الْبَقَرَةَ لِطُولِهَا.
وَقِيلَ لِأَنَّهُ لَمَّا كَتَبُوا الْمَصَاحِفَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ اخْتَلَفُوا هَلْ هُمَا سورتان أو الأنفال سورة وبراءة سُورَةٌ تُرِكَتِ الْبَسْمَلَةُ بَيْنَهُمَا.
وَفِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَأَلْتُ عَلِيًّا عَنْ ذلك فقال لأن البسملة أمان وبراءة نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ لَيْسَ فِيهَا أَمَانٌ.
قَالَ الْقُشَيْرِيُّ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَمْ تَكُنْ فِيهَا لِأَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا نَزَلَ بِهَا فِيهَا.

.فائدة: في بيان لفظ السورة لغة واصطلاحا:

قَالَ الْقُتَيْبِيُّ السُّورَةُ تُهْمَزُ وَلَا تُهْمَزُ فَمَنْ هَمَزَهَا جَعَلَهَا مِنْ أَسْأَرْتُ أَيْ أَفْضَلْتُ مِنَ السور وَهُوَ مَا بَقِيَ مِنَ الشَّرَابِ فِي الْإِنَاءِ كَأَنَّهَا قِطْعَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ وَمَنْ لَمْ يَهْمِزْهَا جَعَلَهَا مِنَ الْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ وَسَهَّلَ هَمْزَتَهَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ شَبَّهَهَا بِسُورِ الْبِنَاءِ أَيْ الْقِطْعَةِ مِنْهُ أَيْ مَنْزِلَةٍ بَعْدَ مَنْزِلَةٍ.
وَقِيلَ مِنْ سُورِ الْمَدِينَةِ لِإِحَاطَتِهَا بِآيَاتِهَا وَاجْتِمَاعِهَا كَاجْتِمَاعِ الْبُيُوتِ بِالسُّورِ وَمِنْهُ السُّوَارُ لِإِحَاطَتِهِ بِالسَّاعِدِ وَعَلَى هَذَا فَالْوَاوُ أَصْلِيَّةٌ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنَ السُّورَةِ بِمَعْنَى الْمَرْتَبَةِ لِأَنَّ الْآيَاتِ مَرَتَّبَةٌ فِي كُلِّ سُورَةٍ تَرْتِيبًا مُنَاسِبًا وَفِي ذَلِكَ حُجَّةٌ لِمَنْ تَتَبَّعَ الْآيَاتِ بِالْمُنَاسَبَاتِ.
وَقَالَ ابْنُ جِنِّي فِي شَرْحِ مَنْهُوكَةِ أَبِي نُوَاسٍ إِنَّمَا سُمِّيَتْ سُورَةً لِارْتِفَاعِ قَدْرِهَا لِأَنَّهَا كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَفِيهَا مَعْرِفَةُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَمِنْهُ رَجُلٌ سَوَّارٌ أَيْ مُعَرْبِدٌ لِأَنَّهُ يَعْلُو بِفِعْلِهِ وَيَشْتَطُّ وَيُقَالُ أَصْلُهَا مِنَ السَّوْرَةِ وَهِيَ الْوَثْبَةُ تَقُولُ سُرْتُ إِلَيْهِ وَثُرْتُ إِلَيْهِ وَجَمْعُ سُورَةِ الْقُرْآنِ سُوَرٌ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَجَمْعُ سُورَةِ الْبِنَاءِ سُورٌ بِسُكُونِهَا وَقِيلَ هُوَ بِمَعْنَى الْعُلُوِّ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى: {إذ تسوروا المحراب} نَزَلُوا عَلَيْهِ مِنْ عُلْوٍ فَسُمِّيَتِ الْقِرَاءَةُ بِهِ لِتَرَكُّبِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَقِيلَ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ وَشَأْنِ قَارِئِهِ ثُمَّ كَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُقَالَ سُورَةُ كَذَا وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا مُقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ.
وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَقَالَ الْجَعْبَرِيُّ: حَدُّ السُّورَةِ قُرْآنٌ يَشْتَمِلُ عَلَى آيٍ ذَوَاتِ فَاتِحَةٍ وَخَاتِمَةٍ وَأَقَلُّهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْحِكْمَةُ فِي تَقْطِيعِ الْقُرْآنِ سُوَرًا؟ قُلْتُ: هِيَ الْحِكْمَةُ فِي تَقْطِيعِ السُّوَرِ آيَاتٍ مَعْدُودَاتٍ لِكُلِّ آيَةٍ حَدٌّ وَمَطْلَعٌ حَتَّى تَكُونَ كُلُّ سُورَةٍ بَلْ كُلُّ آيَةٍ فَنًّا مُسْتَقِلًّا وَقُرْآنًا مُعْتَبَرًا وَفِي تَسْوِيرِ السُّورَةِ تَحْقِيقٌ لِكَوْنِ السُّورَةِ بِمُجَرَّدِهَا مُعْجِزَةً وَآيَةً مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُوِّرَتِ السُّوَرُ طِوَالًا وَقِصَارًا وَأَوْسَاطًا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الطُّولَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْإِعْجَازِ فَهَذِهِ سُورَةُ الْكَوْثَرِ ثَلَاثُ آيَاتٍ وَهِيَ مُعْجِزَةٌ إِعْجَازَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثُمَّ ظَهَرَتْ لِذَلِكَ حِكْمَةٌ فِي التَّعْلِيمِ وَتَدْرِيجِ الْأَطْفَالِ مِنَ السُّوَرِ الْقِصَارِ إِلَى مَا فَوْقَهَا يَسِيرًا يَسِيرًا تَيْسِيرًا مِنَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ لِحِفْظِ كِتَابِهِ فَتَرَى الطِّفْلَ يَفْرَحُ بِإِتْمَامِ السُّورَةِ فَرَحَ مَنْ حَصَلَ عَلَى حَدٍّ مُعْتَبَرٍ وَكَذَلِكَ الْمُطِيلُ فِي التِّلَاوَةِ يَرْتَاحُ عِنْدَ خَتْمِ كُلِّ سُورَةٍ ارْتِيَاحَ الْمُسَافِرِ إِلَى قَطْعِ المراحل المسماة مرحلة بعد مرحلة أخرى إلى أَنَّ كُلَّ سُورَةٍ نَمَطٌ مُسْتَقِلٌّ فَسُورَةُ يُوسُفَ تُتَرْجِمُ عَنْ قِصَّتِهِ وَسُورَةُ بَرَاءَةَ تُتَرْجِمُ عَنْ أَحْوَالِ الْمُنَافِقِينَ وَكَامِنِ أَسْرَارِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَإِنْ قُلْتَ: فَهَلَّا كَانَتِ الْكُتُبُ السَّالِفَةُ كَذَلِكَ؟ قُلْتُ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُعْجِزَاتٍ مِنْ نَاحِيَةِ النَّظْمِ وَالتَّرْتِيبِ وَالْآخَرُ أَنَّهَا لَمْ تُيَسَّرْ لِلْحِفْظِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْفَوَائِدُ فِي تَفْصِيلِ الْقُرْآنِ وَتَقْطِيعِهِ سُوَرًا كَثِيرَةٌ وَكَذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَمَا أَوْحَاهُ إِلَى أَنْبِيَائِهِ مُسَوَّرَةً وَبَوَّبَ الْمُصَنِّفُونَ فِي كُتُبِهِمْ أَبْوَابًا مُوَشَّحَةَ الصُّدُورِ بِالتَّرَاجِمِ مِنْهَا أَنَّ الْجِنْسَ إِذَا انْطَوَتْ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ وَأَصْنَافٌ كَانَ أَحْسَنَ وَأَفْخَمَ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَابًا وَاحِدًا وَمِنْهَا أَنَّ الْقَارِئَ إِذَا خَتَمَ سُورَةً أَوْ بَابًا مِنَ الْكِتَابِ ثُمَّ أَخَذَ فِي آخِرِهِ كَانَ أَنْشَطَ لَهُ وَأَبْعَثَ عَلَى التَّحْصِيلِ مِنْهُ لَوِ اسْتَمَرَّ عَلَى الْكِتَابِ بِطُولِهِ وَمِثْلُهُ الْمُسَافِرُ إِذَا قَطَعَ مِيلًا أَوْ فَرْسَخًا وَانْتَهَى إِلَى رَأْسِ بَرِّيَّةٍ نَفَّسَ ذَلِكَ مِنْهُ وَنَشَّطَهُ لِلْمَسِيرِ وَمِنْ ثَمَّةَ جُزِّئَ الْقُرْآنُ أَجْزَاءً وَأَخْمَاسًا وَمِنْهَا أَنَّ الْحَافِظَ إِذَا حَذَقَ السُّورَةَ اعْتَقَدَ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ طَائِفَةً مُسْتَقِلَّةً فَيَعْظُمُ عِنْدَهُ مَا حَفِظَهُ وَمِنْهُ حَدِيثُ أَنَسٍ كَانَ الرَّجُلُ إِذَا قَرَأَ الْبَقَرَةَ وآل عِمْرَانَ جَلَّ فِينَا وَمِنْ ثَمَّ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ بِسُورَةٍ أَفْضَلَ وَمِنْهَا أَنَّ التَّفْصِيلَ يُسَبِّبُ تَلَاحُقَ الْأَشْكَالِ وَالنَّظَائِرِ وَمُلَاءَمَةَ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ وَبِذَلِكَ تَتَلَاحَظُ الْمَعَانِي وَالنَّظْمِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ من الفوائد.

.فائدة: في بيان معنى الآية لغة واصطلاحا:

أَمَّا الْآيَةُ فَلَهَا فِي اللُّغَةِ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ:
أَحَدُهَا: جَمَاعَةُ الْحُرُوفِ قَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ تَقُولُ الْعَرَبُ خَرَجَ الْقَوْمُ بِآيَتِهِمْ أَيْ بِجَمَاعَتِهِمْ.
ثَانِيهَا: الْآيَةُ الْعَجَبُ تَقُولُ الْعَرَبُ فُلَانٌ آيَةٌ فِي الْعِلْمِ وَفِي الْجَمَالِ قَالَ الشَّاعِرُ:
آيَةٌ فِي الْجَمَالِ لَيْسَ لَهُ فِي الْـ ** حُسْنِ شِبْهٌ وَمَا لَهُ مِنْ نَظِيرِ

فَكَأَنَّ كُلَّ آيَةٍ عَجَبٌ فِي نَظْمِهَا وَالْمَعَانِي الْمُودَعَةِ فِيهَا.
ثَالِثُهَا: الْعَلَامَةُ تَقُولُ الْعَرَبُ: خَرِبَتْ دَارُ فُلَانٍ وَمَا بَقِيَ فِيهَا آيَةٌ أَيْ عَلَامَةٌ فَكَأَنَّ كُلَّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ عَلَامَةٌ وَدَلَالَةٌ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَاخْتُلِفَ فِي وَزْنِهَا فَقَالَ سِيبَوَيْهِ فَعَلَةٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَأَصْلُهَا أَيَيَةٌ تَحَرَّكَتِ الْيَاءُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا فَجَاءَتْ آيَةً وَقَالَ الْكِسَائِيُّ أَصْلُهَا آيِيَةُ عَلَى وَزْنِ فَاعِلَةٌ حُذِفَتِ الْيَاءُ الْأُولَى مَخَافَةَ أَنْ يُلْتَزَمَ فِيهَا مِنَ الْإِدْغَامِ مَا لَزِمَ فِي دَابَّةٍ.
وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَقَالَ الْجَعْبَرِيُّ فِي كِتَابِ الْمُفْرَدِ فِي مَعْرِفَةِ الْعَدَدِ حَدُّ الْآيَةِ قُرْآنٌ مُرَكَّبٌ مِنْ جُمَلٍ وَلَوْ تَقْدِيرًا ذُو مَبْدَأٍ وَمَقْطَعٍ مُنْدَرِجٍ فِي سُورَةٍ وَأَصْلُهَا الْعَلَامَةُ ومنه: {إن آية ملكه} لِأَنَّهَا عَلَامَةٌ لِلْفَضْلِ وَالصِّدْقِ أَوِ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهَا جَمَاعَةُ كَلِمَةٍ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: الْآيَةُ طَائِفَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ مُنْقَطِعَةٌ عَمَّا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا لَيْسَ بَيْنَهَا شَبَهٌ بِمَا سِوَاهَا.
وَقِيلَ: هِيَ الْوَاحِدَةُ مِنَ الْمَعْدُودَاتِ فِي السُّوَرِ، سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهَا عَلَامَةٌ عَلَى صِدْقِ مَنْ أَتَى بِهَا وَعَلَى عَجْزِ الْمُتَحَدَّى بِهَا.
وَقِيلَ: لِأَنَّهَا عَلَامَةُ انْقِطَاعِ مَا قَبْلَهَا مِنَ الْكَلَامِ وَانْقِطَاعِهَا عَمَّا بَعْدَهَا قَالَ الْوَاحِدِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا يُجَوِّزُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَسْمِيَةَ أَقَلَّ مِنَ الْآيَةِ آيَةً لَوْلَا أَنَّ التَّوْقِيفَ وَرَدَ بِمَا هِيَ عَلَيْهِ الْآنَ.
وَقَالَ: ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْبَحْرِ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ آيَةً إلا: {مدهامتان}.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ الصَّحِيحُ أَنَّهَا إِنَّمَا تُعْلَمُ بِتَوْقِيفٍ مِنَ الشَّارِعِ لَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ فِيهِ كَمَعْرِفَةِ السُّورَةِ فَالْآيَةُ طَائِفَةُ حُرُوفٍ مِنَ الْقُرْآنِ عُلِمَ بِالتَّوْقِيفِ انْقِطَاعُهَا مَعْنًى عَنِ الْكَلَامِ الَّذِي بَعْدَهَا فِي أَوَّلِ الْقُرْآنِ وَعَنِ الْكَلَامِ الَّذِي قَبْلَهَا فِي آخِرِ الْقُرْآنِ وَعَنِ الْكَلَامِ الَّذِي قَبْلَهَا والذي بَعْدَهَا فِي غَيْرِهِمَا غَيْرَ مُشْتَمِلٍ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ قَالَ وَبِهَذَا الْقَيْدِ خَرَجَتِ السُّورَةُ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْآيَاتُ عِلْمُ تَوْقِيفٍ لَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ فِيهِ فَعَدُّوا: {الم} آيَةً حَيْثُ وَقَعَتْ مِنَ السورة المفتتح بها وهي ست، وكذلك: {المص} آية، و: {المر} لَمْ تُعَدَّ آيَةً وَ: {الر} لَيْسَتْ بِآيَةٍ فِي سُوَرِهَا الْخَمْسِ وَ: {طسم} آيَةٌ فِي سورتيها، وَ: {طه} وَ: {يس} آيَتَانِ وَ: {طس} لَيْسَتْ بِآيَةٍ وَ: {حم} آيَةٌ فِي سُوَرِهَا كلها و: {حم عسق} آيتان و: {كهيعص} آيَةٌ وَاحِدَةٌ وَ: {ص} وَ: {ق} وَ: {ن} ثَلَاثَتُهَا لَمْ تَعُدَّ آيَةً هَذَا مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ وَمَنْ عَدَاهُمْ لَمْ يَعُدُّوا شَيْئًا مِنْهَا آية.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا عَدُّوا {يس} آيَةً وَلَمْ يَعُدُّوا {طس} لِأَنَّ {طس} تُشْبِهُ الْمُفْرَدَ كَقَابِيلَ فِي الزِّنَةِ وَالْحُرُوفِ وَ: {يس} تُشْبِهُ الْجُمْلَةَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَوَّلَهُ يَاءٌ وَلَيْسَ لَنَا مُفْرَدٌ أَوَّلُهُ يَاءٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيَاتٍ وَسُورَةَ الْمُلْكِ ثَلَاثُونَ آيَةً وَصَحَّ أَنَّهُ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِيمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ قَالَ وَتَعْدِيدُ الْآيِ مِنْ مُفَصَّلَاتِ الْقُرْآنِ وَمِنْ آيَاتِهِ طَوِيلٌ وَقَصِيرٌ وَمِنْهُ مَا يَنْقَطِعُ وَمِنْهُ مَا يَنْتَهِي إِلَى تَمَامِ الْكَلَامِ وَمِنْهُ مَا يَكُونُ فِي أثنائه كقوله: {أنعمت عليهم} عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَإِنَّهُمْ يَعُدُّونَهَا آيَةً وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ فِي ذَلِكَ عَلَى فِعْلِ السَّلَفِ.
وَأَمَّا الْكَلِمَةُ فَهِيَ اللَّفْظَةُ الْوَاحِدَةُ وَقَدْ تكون على حرفين مثل ما ولي وله ولك وَقَدْ تَكُونُ أَكْثَرَ وَأَكْثَرُ مَا تَكُونُ عَشَرَةَ أحرف مثل: {ليستخلفنهم} و: {أنلزمكموها} و: {فأسقيناكموه} وَقَدْ تَكُونُ الْكَلِمَةُ آيَةً مِثْلَ: {وَالْفَجْرِ}، {وَالضُّحَى}، {وَالْعَصْرِ} وَكَذَلِكَ {الم} وَ: {طه} وَ: {يس} وَ: {حم} فِي قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ وَ: {حم عسق} عِنْدَهُمْ كَلِمَتَانِ وَغَيْرُهُمْ لَا يُسَمِّي هَذِهِ آيَاتٍ بَلْ يَقُولُ هَذِهِ فَوَاتِحُ لِسُوَرٍ.
وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ لَا أَعْلَمُ كَلِمَةً هِيَ وَحْدَهَا آيَةٌ إِلَّا قَوْلَهُ: {مُدْهَامَّتَانِ} فِي سُورَةِ الرحمن.